الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
158
انوار الأصول
الشرعيّة فيكون حديث الرفع بمنزلة الاستثناء لأدلّة الأجزاء ، ويقيّد إطلاقها لحالتي العلم والجهل بجزئيّة الأجزاء فكأنّ الشارع قال : « يجب في الصّلاة التكبير والقراءة والركوع والسجود والتشهّد مطلقاً ، علم بها المكلّف أم لا ، وأمّا السورة فهي واجبة في خصوص ما إذا علم بجزئيّتها » ، أو أنّه قال : « ايت بالكلّ إلّا السورة لأنّك لا تعلم أنّه واجب » . أقول : لا حاجة في حلّ المشكلة إلى طيّ هذا الطريق ، لإمكان حلّها بالأوامر الضمنيّة فيقال : إنّ حديث الرفع ينفي خصوص الوجوب الضمني المتعلّق بما شكّ في جزئيته ، ولا ينفي الوجوب عن الباقي . بقي هنا أمران : الأوّل : قد يقال أنّ المحقّق الخراساني قد عدل عن مقالته في بعض كلماته ، وذهب إلى عدم جريان البراءة عقلًا وشرعاً فقال في تعليقته على كتابه ( كفاية الأصول ) ما لفظه « لكنّه لا يخفى أنّه لا مجال للنقل فيما هو مورد حكم العقل بالاحتياط ، وهو ما إذا علم إجمالًا بالتكليف الفعلي ، ضرورة أنّه ينافيه رفع الجزئيّة المجهولة ، وإنّما يكون مورده ما إذا لم يعلم به ، بل علم مجرّد ثبوته واقعاً ( يعني ولو لم يكن فعليّاً ) « 1 » . ولعلّه مبنيّ على ما اختاره سابقاً من أنّ العلم الإجمالي إذا علم كونه فعلياً من جميع الجهات يكون علّة تامّة للتنجّز فلا يمكن صدور الترخيص لأطرافه من ناحية الشارع . ولكن بما أنّ الصحيح المختار في ذلك البحث عدم كون العلم الإجمالي علّة تامّة ، وإنّه ليس إلّا مجرّد المقتضي للاحتياط ( وذلك لأنّه لا يستفاد من أدلّة الواجبات والمحرّمات إلّا كونها مقتضية للفعليّة ، غير منافية لما يعرض عليها من العناوين الثانوية وغيرها ممّا يمنعها عن الفعليّة ، وإنّه لا طريق لنا إلى كشف الفعليّة من جميع الجهات من ظواهر الأدلّة نعم إذا ثبت المقتضي ولم يمنع منه مانع نحكم بفعليّته ) فلا مانع حينئذٍ من جريان البراءة في ما نحن فيه . الثاني : قد يتصوّر إمكان جريان أصالة الاشتغال في ما نحن فيه ، وذلك من طريقين : أحدهما : استصحاب اشتغال الذمّة بالتكليف .
--> ( 1 ) كفاية الأصول : ص 366 ، طبع مؤسسة آل البيت عليهم السلام .